ظـلال
تونســية
في
لقائي الأول به ـ والوحيد حتى الآن ـ لم نكن في حاجة إلى تعارف بل كنا في أشد
الحاجة إلى الملامسة وسماع صوتينا . ذلك
اللقاء الذي تحقق بمبادرة جميلة منه
عندما شرفني في بلدي
السويس بمصر . اللقاء الذي كنت أتمناه لنفسي بعد مراسلات ومكاتبات دامت سنوات
طويلة، ولكن عبد الرحمن الربيعي حقق لي هذه الأمنية بمنتهى البساطة والأريحية .ولم
يكن تصرفه هذا إلا تعبيرا عن رؤيته بضرورة تواصل الحياة الأدبية والثقافية عبر
بلدان الوطن العربي دون استثناء،تواصل بين أدبائها ومثقفيها، تواصل في
مؤتمراتها،تواصل بين مطبوعاتها دون عوائق، التعرف على تفاصيل الحياة وصورتها فوق
كل أرض عربية.
هذه
هي رؤية عبد الرحمن الربيعي التي يعمل ويتحرك ويكتب بهديها. لذلك فهو يتميز
بالعديد من العلاقات في العالم العربي
وبكثير من الأصدقاء في البلدان العربية أينما توجه وسافر وارتحل .
وكان
من الطبيعي منذ أن أقام وأستقر في أحضان تونس الخضراء الجميلة منذ عام 1989
أن يكون هو عبد الرحمن الربيعي الذي لا يحب أبدا
أن يظهر في الصورة وحده ، عضوا فعالا في البنية الثقافية والاجتماعية في البلد
التي يقيم فيها . فهو لا يهدأ ولا يستكين لأنه نذر حياته، وإلى الأبد للثقافة والكتابة
العربية أينما وُجد .
وكان
من الطبيعي ،أيضا، أن أتلقى كتابه ( ظلال تونسيةـ 38 قصة قصيرة من الأدب العربي التونسي ) من إصدارات
وكالة الصحافة العربية بمصر، يقدم فيه بانوراما شاسعة من أدب القص العربي التونسي
، وكيف لا يفعل هذا وهو الذي يشارك في ندواتها ـ تونس ـ ومؤتمراتها وصحافتها
ومجلاتها ، ومستقر حب وزواج وإنجاب ( حتى زواجه كان أدبيا ) .
تقول
غادة السمان ـ مجلة الحوادث 21 / 1 / 2001 : بمناسبة صدور كتاب ( عبد الرحمن الربيعي في
تونس )" وتفاعل الربيعي مع تونس ليس من قبيل (الغرام الخطابي) بل هو ممارسة يومية
وصلة روحية " . وكان الأستاذ الدكتور محمد صالح بن عمر قد عبر عن نفس المعنى
وذلك في مقدمته الثمينة الزاخرة للكتاب .
ويقول
عبد الرحمن الربيعي في كتابه " من ذاكرة تلك الأيام " : ( إن من أجمل
الهدايا التي قدمها لي أحبتي الأدباء التونسيون كتاب { عبد الرحمن مجيد الربيعي في
تونس } الصادر في عام 1999 في سلسلة مكرسة للأدباء
التونسيين بدليل عنوانها .. مقاربات للأدب التونسي .. وفى عددها الثاني ..وهى
سلسلة قيمة يشرف عليها جامعي مخلص وناقد حصيف قيم الرأي هو الأستاذ الدكتور محمد
صالح بن عمر فكان الكتاب بمثابة تحية كبيرة ووسام أعتز به ) .
إن
قيمة كتاب " ظلال تونسية" ليست قاصرة على الجهد الذي بذله عبد الرحمن
الربيعي ـ خلال وقت ليس بالقصير ـ في تتبع القصص المنشورة في المجموعات القصصية
والمنشورة فرادى لينتقى منها أجملها
وأرقاها ، إنما القيمة المضافة إلى هذا الكتاب هي في هذا العمل بحد ذاته
والإقدام على إصداره بهدف تأكيد وترسيخ وتوثيق مسار القصة القصيرة التونسية ،
ليكون دليلا في أيدي المهتمين في تونس والعالم العربي بهذا الفن الحساس .
وحماسي
في استقبال هذا الكتاب يقارب حماسي لكتاب الناقدة الدكتورة فوزية الصفار ( قراءات
في الأدب التونسي ) الذي قدمت فيه رؤى ونقدا تطبيقيا لواقع الإبداع التونسي كما
يتمثل في الرواية والقصة والشعر لمبدعين ومبدعات من تونس . ذلك الكتاب الذي سبق لي
الكتابة عنه نُشرت في عدد من الصحف التونسية والعربية .إن صدور كتب حصرية مختارة
للإعمال الإبداعية أو نقدا لها يشير إلى صحة الحياة الأدبية ومسيرتها مما يدفعها
قدما إلى الأمام ..وهذا سر غبطتي من هذه الظاهرة في تونس .
يشتمل
الكتاب على مقدمة بقلم عبد الرحمن الربيعي و 38 قصة منها 10
قصص بأقلام كاتبات . وقد افتقدت في هذا العمل
الانتقائي التجميعي الإنطولوجى وجود
ببليوجرافيا للكتاب والكاتبات رغم معرفتي لبعضهم خاصة الرواد الأوائل أول من قرأت
لهم في مجلة قصص وغيرها على فترات متقطعة ، أو الذين قرأت لهم أعمالا كاملة وكتبت
عنهم كما سيأتي فيما بعد .
إن
التعريف أو الببليوجرافيا مطلب ضروري للتعريف بالأجيال مع فقرة موجزة عن إنجازاتهم
وأنشطتهم الأدبية ، ورغم هذا فإنه لم يؤثر في قيمة الكتاب ، وأعتقد أن عبد الرحمن
الربيعي لا تغيب عنه أهمية وجود هذه الببليوجرافيا . وقد صدق حدسي عندما علمت منه
أنه قد أعد ملحقا قام فيه بتجييل القصاصين ولكن الناشر لم يدرج هذا الملحق لأسباب
ما غير مقصودة . وقد أوضح لي عبد الرحمن الربيعي أن القصاصين قد رتبوا ترتيبا
عمْريا عدا آخر قصة لناصر التومى وهو من القصاصين الذين ظهروا في الثمانينات .
يحكى
عبد الرحمن الربيعي في مقدمة الكتاب عن علاقته بتونس وبأدبائها ومثقفيها ومشاركته
في فعاليات مؤتمراتها وذلك قبل أن يستقر فيها عام 1989 . ويقدم لنا مشهد لقائه الأول بالدكتور محمد
صالح الجابرى مدير الثقافة في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (
الأليسكو ) عندما تقابل محمد صالح الجابرى
الطالب التونسي في كلية آداب بغداد وقتذاك بعبد الرحمن الربيعي في مجلة الأقلام
العراقية ليقدم نفسه إليه ككاتب قصة من تونس حاملا معه بعض أعداد من مجلة ( قصص )
ونصوصا شعرية وقصصية لأدباء من تونس لنشرها في المجلة .
وتتوثق
عرى الصداقة بينهما لتتحول إلى جسر اتصال بين الربيعي وجيل الستينيات وأعضاء نادى
القصة بتونس الذين التقى بهم عام 1973 في مؤتمر الأدباء العربي الذي عقد بتونس، وفى
نادى القصة حيث التقى بالأستاذ الأديب الرائد محمد العروسى المطوي مؤسس النادي
والأديب الرائد مصطفى الفارسي .
أشار
عبد الرحمن الربيعي إلى كتاب مهم بقلم الدكتور الجابرى صدرت طبعته الأولى عام 1975
من منشورات الأستاذ عبد الكريم عبد الله ، وكان
الكتاب محاولة هامة في التأريخ للقصة التونسية ونشأتها من خلال مرحلة الريادة في
معظم البلدان العربية : العراق ، مصر،لبنان ، سوريا، الجزائر، المغرب ..الخ
يقول
الجابرى ( كثيرون عندنا يشاؤون أن ينظروا إلى القصة عكس نظرتهم إلى الشعر، ينظرون
إليها على أنها فن متطفل على وجداننا ، فن بلا ماض ) ومع إيمان كتَّاب القصة
بأهمية الفن الذي يمارسونه ومستقبليته فإنهم ( كانوا في أشد الحرج حين يقابلون بين
إنتاجهم وبين إنتاج غيرهم من القصاصين الغربيين فيجدون البون شاسعا فيسعون إلى حرق
هذه المراحل بما يتوافرون عليه من التراجم ومن استيراد كتب الروايات والقصص
ليطلعوا بعمق على هذا الفن الحديث ) .
ويؤرخ
الجابرى لأهم المجلات الأدبية التونسية التي عنيت بفن القصة كمجلة"العالم
الأدبي " التي أصدرها الشيخ زين العابدين السنوسى عام 1930 وقفزتها النوعية عندما أصدرت عام 1932
عددا خاصا بالقصة( زخر بالقصص الموضوعة
والمترجمات وبالدراسات الفنية حول هذا الفن ) .
ويقدم
الروائي القاص رضوان الكافي كتابه التوثيقى الهام (الكتابة القصصية في تونس خلال
عشرين سنه من 1964 إلى 1984 ) يحاول فيه الروائي أن يستكمل ما بدأه الدكتور
الجابرى وذلك برصد الدفعة الجديدة لأدب القصة بعد أحداث جائزة "على
البهلوان" التي (ساهمت في إبراز العديد من الآثار الروائية وفى التعريف
بأسماء جديدة من الكتاب ) . وقد تبعت جائزة على البهلوان جوائز أخرى خصصتها بعض
المؤسسات للأدب مثل جائزة البنك التونسي ومؤسسة كومار للتأمين .
في
ذات الوقت كان نادى القصة بدعم من الأستاذ محمد العروسى المطوي عام 1964
وبصدور مجلة قصص عام 1966 ومنشورات "قصص" عام 1968
..كان لكل هذا أثر طيب وفعال انعكس على الملاحق
والصفحات الثقافية التي احتفت بهذا الفن إبداعا وأخبارا وكان للجامعيين المهتمين
بالحركة الأدبية والثقافية دور فعال في أن تقوم الجامعة بتدريس بعض النصوص القصصية
والروائية وتسجيل الرسائل الجامعية عنها .
وقد
جاء تغيير السا بع
من نوفمبر عام 1987 ليكلل هذه الجهود بتوجهات
رسمية عليا وضعت الثقافة في المكانة التي تليق بها فقامت وزارة الثقافة التونسية
بدعم حركة النشر والمساهمة في تكلفتها سواء في صناعة الكتاب أو سعره المطروح على
القراء، فاتسعت حركة النشر وانتشرت بعد ظهور عدد كبير من دور النشر الجديدة في
العاصمة والعديد من المدن مما وفر الفرص لعدد كبير من الكتاب والمبدعين بمختلف
أجيالهم ليروا أعمالهم منشورة في كتب .
وكان
لا بد أن يحتار الربيعي كما احتار
المتابعون والدارسون في ملاحقة الإصدارات الكثيرة بالرصد والتحليل والنقد . وتلك
كانت المهمة الصعبة التي أنجزها أخيرا الربيعي وأثمرت هذا الكتاب ( ظلال تونسية ـ 38
قصة قصيرة من الأدب العربي التونسي ) . وهو ـ
الربيعي ـ يدعو الآخرين لاستكمال هذا العمل ليأخذوا أسماء لم يوردها في كتابه،
والتي اعتمد في اختيار القصص المنشورة به
على ذائقته الشخصية والتي كانت وحدها الحكم وكانت المقياس .
أسماء الكتاب وقصصهم التي وردت في الأنطولوجيا
:
1 ـ محمد العروسى المطوي ـ
قصة العم عصمان . 2 ـ مصطفى الفارسي ـ قصة
القنطرة هي الحياة ـ من مجموعة بنفس العنوان . 3 ـ عز الدين المدني ـقصة
حديث الرقم ـ من مجموعة خرافات . 4 ـ د . محمد صالح الجابرى ـ
قصة مقابلة في الطابق الخامس ـ من مجموعة الرخ يجول في الرقعة . 5
ـ محسن بن ضياف ـ قصة الهمس المكتوم ـ من مجموعة
بعنوان أنا والرجل والآخر . 6 ـ عمر بن سالم ـ قصة
المليار ـ من مجموعة بنفس الاسم . 7 ـ سمير العيادى ـ قصة
البرنس الذي نسجته جدتي بعد موتها. 8 ـ محمود بالعيد ـ قصة
المتفقد . 9 ـ محمد الهادي بن صالح ـ
قصة وعد الأخرس والعلاقات المتوترة ـ من مجموعة بنفس العنوان . 10
ـ عبد القادر بن الحاج نصر ـ قصة فوانيس المدينة
ـ من مجموعة بعنوان عجائب زمن . 11 ـ محمد الحبيب السالمى ـ
قصة حافلة الليل الممطر ـ من مجموعة مدن الرجل المهاجر . 12 ـ رضوان الكوني ـ قصة خرافة النخلة العرجاء
والشيخ الصدئ . 13 ـ حسن نصر ـ ثلاث قصص :
الصورة / والعصر والنشر / وطن العصافير . 14 ـ أحمد ممو ـ قصة قريتنا والزمن الذي يمضى . 15 ـ محمد رضا الكافي ـ قصة قطار الساعة التاسعة ـ
من مجموعة بعنوان نساء . 16 ـ نافلة ذهب ـ قصة إحدى
وعشرون ـ من مجموعة بعنوان الشمس والأسمنت . 17 ـ عروسه الناتولى ـ قصة ليس لهذا السحر مقابل . 18
ـ حسن بن عثمان ـ قصة سأتركك تتذوق هذا الطعم ـ
من مجموعة عباس يفقد صوابه . 19 ـ صلاح الدين بوجاه ـ قصة
زرنيخ ـ من مجموعة سهل الغرباء . 20 ـ بوراوى عجينه ـ قصة
الشيخ والحسناء ـ من مجموعة خفايا الزمن . 21 ـ حفيظة قارة بيبان ( بنت البحر ) ـ قصة حكاية
الأسوار ـ من مجموعة في ظلمة النور . 22 ـ أبو بكر العيادى ـ قصة
تداعيات أحمد العربي ـ من مجموعة من حكايات آخر الليل . 23 ـ حسونة المصباحى ـ قصة شهوة العين ـ من مجموعة
السلحفاة . 24 ـ رشيدة الشارنى ـ قصة
الأموات يعودون من الماضي ـ من مجموعة الحياة على حافة الدنيا . 25
ـ إبراهيم البرغوثى ـ قصة الحدأة والصياد ـ من
مجموعة رجل محترم جدا . 26 ـ مسعودة أبو بكر ـ قصة بائعة الحمص ـ من مجموعة
طعم الأناناس . 27 ـ صالح الدمس ـ قصة عياد ـ
من مجموعة دار الغولة . 28 ـ
حفيظة القاسمى ـ قصة الكابوس . 29 ـ نجاة العدواني ـ قصة
العجوزان ـ من مجموعة مرايا لجثة واحدة . 30 ـ الأسعد بن حسين ـ قصة الأبيض والأسود ـ من
مجموعة معجزة أخرى للحب . 31 ـ فوزية العلوي ـ قصة صخب
الذاكرة ـ من مجموعة على ومهرة الريح . 32 ـ محمد آيت ميهوب ـ قصة الورد والرماد ـ من
مجموعة بنفس الاسم . 33 ـ فوزي الدينارى ـ قصة
الحوذي ـ من مجموعة تصاوير من الماء والنار . 34 ـ حياة الرايس
ـ قصة ليت هندا ـ من مجموعة بنفس الاسم . 35 ـ محمد عيسى المؤدب ـ قصة اعترافات رجل ميت . 36
ـ الأزهر الصحراوي ـ قصة الذهاب إلى المغسل ـ من
مجموعة أضاعوني . 37 ـ آمنة الوسلاتى ـ قصة
جولة في دماغي ـ من مجموعة صخر المرايا . 38 ـ ناصر التومى ـ قصة راقصة المأتم *
هذه
الكوكبة المختارة من القصَّاصين والقصَّاصات تطرح إشكالية كبرى عند الشروع في
الدخول إلى عوالمها القصصية، إذ تغيب أشياء هامة واعتبارات لا بد من توافرها. وإذا
كان التوقف عند أل 38 قصة في حاجة إلى دراسة
مستقلة، فإنه من المهم أن نتعرف على أصحاب القصص بمختلف أجيالهم وأساليبهم المتنوعة
في كتابة القصة القصيرة .
كما
أنه من الصعب والمجحف في نفس الوقت أن نتمثل شخصية القاص الأدبية من خلال قصة
واحدة إلا إذا كنا نستشرف فن القص في تونس بصفة عامة . وهذا القصور يرجع إلى خلل
هام وخطير في البنية الثقافية والأدبية العربية . هذا الخلل يتمثل في العقبات التي
تقف أمام انتشار الكتاب العربي وتوزيعه في أنحاء البلدان العربية، وإذا كان هذا
ممكنا إلى حد ما في المغرب العربي إلا أن واقع الكتاب العربي بين المشرق والمغرب
العربيين ، وبين المشرق والمشرق إلى حد ما ، واقع غير سليم . ورغم مناداتنا في
مناسبات كثيرة بالقضاء على هذه العقبات حتى تأخذ الثقافة العربية مجراها الطبيعي
بين شعوبها ، إلا أن الذي يحدث هو العكس ، فالثقافة الغربية وغيرها من
الثقافات الأخرى نتابعها بوتيرة أسرع مما
يحدث مع ثقافتنا العربية !
فأنا
ككاتب عربي مصري يهمني أن أكون مقروءا في جميع البلاد العربية والعكس كذلك بالنسبة
لأي أديب في أي بلد عربي . إن القاصة فوزية العلوي ـ كمثال حديث لما أقول ـ التي
فازت مجموعتها ( حريق في المدينة الفاضلة) بجائزة أندية الفتيات بالشارقة عن هذا
العام تمس هذا الحلم / الأمل وذلك في
حوارها المنشور بجريدة القدس بتاريخ 18 / 2 / 2002 تقول فوزية ما معناه أنه لا يكفى أن نجد صدى
لأعمالنا في المشرق سواء عن طريق المسابقات أو ما ينشر لنا في الدوريات والمجلات
في بلدان المشرق العربي..ولكن في ضوء انحسار الكتاب وصعوبة اختراقه للحدود فان
الكاتبة عندنا تظل مبعدة غير معروفة وتنتظر هذه المناسبات لتعرِّف بنفسها بطريقة
شخصية، ولكن ذلك يبقى غير كاف ليتمكن جمهور المشرق من التعرف على ملامح كاتبة ما
من المغرب العربي ، اللهم إلا إذا كانت هناك ضربة حظ أو مصادفة تجعل كتابا معينا
ينتشر بطريقة لم يُسبق إليها . وأعطت فوزية مثالا على هذا بالكاتبة أحلام مستغانمى
.
هذه
هي هموم كاتبة من المغرب العربي عبرت عنها فوزية العلوي في آخر وأحدث حوار قرأته خلال الفترة الماضية .. وهى
في نفس الوقت هموم عدد كبير من الأدباء العرب في المشرق والمغرب لا يريدون أن
ينتظروا مصادفة أو ضربة حظ !!
هذا الإحساس قد تلبسني أكثر من مرة ـ في
علاقة المشرق بالمغرب ـ عندما قمت بنفسي بإعارة رواية الأديب الفنان حسن بن عثمان
الفذة ( برومسبور ) ومجموعة الأديبة رشيدة الشارنى ( الدنيا على حافة النافذة )
إلى أصدقائي من الأدباء ليقرؤهما بعد وصول الكتابين من تونس وبعد أن كتبت عنهما .
ويرجع الفضل في حصولي على هذه الكتب إلى الأديب الربيعي ، وفى بعض المطبوعات
الأخرى إلى وكالة الصحافة العربية بمصر التي يديرها الكاتب المصري خالد محمد غازي
.
إن
معرفتي لبعض الأسماء التي ضمتها أنطولوجيا الربيعي للقصص التونسية ترجع إلى
متابعاتي الشخصية للإبداع العربي بصفة خاصة ولكن هذه المتابعات غير كافية لتكوين
انطباعات أو تصور معين لكل كاتب أقرأ له لأنها متابعات غير متصلة تعتمد في أغلب
الأحيان على الصحف والدوريات. فقد قرأت أعدادا لا بأس بها من مجلة (قصص) وما زال
اسم الكاتب الكبير الأستاذ محمد العروسى المطوي في خاطري والذي قال عنه الربيعي (
هذا البحار الماهر العريق) بمناسبة لقائه به عام 1977 في ندوة موسعة بنادي القصة بتونس
وكنت
أتعرف على بعض الشخصيات الأدبية التونسية من كتاباتهم سواء في الصحف والدوريات أو
من بعض الكتب التي أعثر عليها في مصر. بعد ذلك استطاع الربيعي أن يعوض لي هذا
النقص في المعرفة والمتابعة عندما قرأت له عددا من مقالاته وشهاداته ومن كتبه التي
تناول فيها أعمالا أدبية لكتاب من تونس ، ثم زودني ببعض الأعمال التي كانت تصدر في
تونس وقد كتبت عنها كما سيرد فيما بعد .
وقد
أشبع الربيعي فضولي دون أن يقصد عندما أتاح لي أن أتعرف على ملامح عدد كبير من
الأدباء العرب في تونس أو غيرها من الصور التي حفلت بها بعض كتبه
خاصة كتابه ( عبد الرحمن الربيعي في تونس
) وكتابه الضخم الحافل الزاخر بالصور (
من ذاكرة تلك الأيام) ..ففيما يخص أدباء تونس تعرفت على الأستاذ محمد العروسى
المطوي والأديب مصطفى الفارسي بصحبة الشاعر شوقي بغدادي والأديب الطيب صالح وقد
التقطت الصورة بنادى القصة بتونس عام 73 . كما تعرفت على الأستاذ
الأديب عز الدين المدني في صورة التقطت بمناسبة تكريمه مع الأديب العربي السوري
حنا مينه والربيعي والكاتب الكبير محمد الباردى الذي كان يشرف على حفل التكريم
بمركز دراسات الرواية العربية بقابس عام 1997 ونحن نعرف أن عزالدين المدني أحد رواد القصة
العربي التونسية وصاحب ( الأدب التجريبي) الكتاب التنظيرى الذي صدر في مرحلة مبكرة
من مسيرة الأدب التونسي وإن اختلفت القضايا الآن . كما تعرفت على الأديب الدكتور
محمد صالح الجابرى في صورة تجمعه مع الربيعي بتونس عام 1982 قبل استقراره النهائي بها عام 1989
.
اشتملت
القصص التي ضمتها الأنطولوجيا على التنوع واختلاف الأجواء واختلط الجميل بالقبيح
والتحليق الأسطوري والخيالي والمشاعر المعنوية
بالوجود الحسي . قصص مراوغة أحيانا ومتخابثة أحيانا أخرى لكنها في النهاية تكشف عن
السريرة سواء كانت سريرة المبدع أو خبيئة الفن وإن لم تكن واضحة جلية . وكيف تكون
واضحة جلية في الفن الذي من طبيعته أن يتواري حتى ولو خلف ستار شفاف فلا يعطيك إلا
بقدر وإلا المظهر وما عليك كقارئ ومتلقي إلا أن تزيل هذه القشرة السطحية لتكتشف
تلك العوالم.
رغم
تعدد الشخصيات في القصص إلا أنها لم تقع في فخ النمطية فالعالم فسيح وعميق سواء
كان العالم الخارجي أو عالمنا الداخلية
يخدم كل هذا حرية فردية في التعبير . وإذا أردت منى أن ابتسم فلتبتسم لي
أنت أولا أيها المبدع ..وإذا أردت أن أذرف الدمع فلا بد أن تبكى قبلي أيها المبدع
.
توقفت
عند قصص لكتاب أقرأ لهم لأول مرة( وهذا ليس ذنبي ) وأعدت قراءتها مرة أخرى حتى
أعرف مسيرة وملامح فن القصة القصيرة في تونس وعند هؤلاء :
الأسعد بن حسين في الأبيض والأسود، حفيظة
القاسمى في الكابوس ..مثلا . وتوقفت عند أسماء سمعت عنها أو أعرفها وسبق لي قراءة
بعض أعمالها مثل حسن نصر في قصصه
الثلاث وعندنا في مصر نقيم من عام لآخر
ندوة موسعة لفن القصة القصيرة جدا، وحسن نصر قرأت ما كتبته عنه الدكتورة فوزية
الصفار في كتابها القيم (قراءات في الأدب التونسي ) وكان عن روايته (دار الباشا) ، حسونة المصباحى
الذي أمتعني بخياله المركب في قصته شهوة العين ، كما أمتعتني روايته (الآخرون ) ،
عروسه النالوتى في قصتها المحلقة وأجوائها الخرافية والواقعية في آن ( ليس لهذا
السحر مقابل )
وفوزية العلوي وتقنيتها المنضبطة
المنطلقة في آن ( صخب الذاكرة) ، وحياة الرايس في ( ليت هندا) وكان أحدث ما قرأته
لها كانت دراسة رائعة موثقة بعنوان ( المرأة : علامات تاريخية ـ قراءة في أسطورة
أثينا) والتي نشرت في عدد مارس 2002 بمجلة جذور الفصلية التي تصدر عن النادي الثقافي
بجدة .
ومن الأسماء التي
أعرفها جيدا من خلال كتبهم الأديب الفنان
حسن بن عثمان والأديبة رشيدة الشارنى . فقد قرأت لحسن بن عثمان روايته
الرائعة(البرومسبور) وكتبت عنها بحب ووجدان متأجج ـ مثلما كتبت عن رواية العطر
لباتريك زوسكيند ـ ولم أكن أعتقد وقتها أنها الرواية الأولى له حتى عرفت فيما بعد
أنها الأولى بالفعل ..فازددت دهشة ! لأن رواية البرومسبور واحدة من الروايات التي
تمثل علامة في سيرة الرواية العربية . لم أقرأ له شيئا من قصصه القصيرة إلا ما
نشرته الأنطولوجيا ( سأتركك تتذوق هذا العالم) وهى إحدى قصص مجموعة ( عباس يفقد
صوابه ) والتي قادته إلى محاكمة عام 1986 وحاولت أن أبحث عن
السبب في قصته المنشورة ـ وهى قصة واحدة من المجموعة ـ لكنى خمنتها تخمينا !
وعندما سمعت عن صدور
روايته ( ليلة الليالي) انتابني الفرح رغم أنى لم أر الرواية حتى الآن !! وقد قرأت
في جريدة القدس العربي بتاريخ 24 / 1 / 2002
شهادة إبداعية لحسن بن عثمان ألقاها في دارة
الفنون بعمان في شهر يناير من هذا العام ، هذه الشهادة كانت من أعمق وأغرب
الشهادات الإبداعية التي قرأتها لروائيين ـ لاحظوا معي أن شهادته تلك أتت بعد
إنجازه روايتين فقط ـ وقد توقفت عندها طويلا لما تحتويه من نظرة شخصانية متفردة
تماما ، بل أنى فصلت الشهادة من الجريدة واحتفظت بها ضمن أوراقي الخاصة . . حسن بن
عثمان الكاتب الروائي الذي أنقذته الكتابة من الانحراف الفعلي ليرتكب في أعماله
الروائية الانحراف الرمزي !! الروائي الذي
يشبِّه الرواية بفعل الجريمة ، الجريمة الكاملة التي تحسم أمرها من دون إلحاق
الأذى بالآخرين و تقترن قرانا كاملا وشاملا وتاما بالمتعة واللذة والجمال وما
تثيره في النفس البشرية من كوامن .
ومن ضمن الأسماء التي
عرفتها جيدا من خلال كتبهم الأديبة رشيدة الشارنى التي قرأت لها مجموعتها
القصصية(الحياة على حافة الدنيا) وهى
المجموعة التي حازت بالجائزة الأولى في دورة ماضية لمسابقات أندية الفتيات
بالشارقة ـ لاحظوا معي وتابعوا عدد الكاتبات التونسيات اللاتي حصلن على جوائز
متقدمة في مسابقات أندية الفتيات بالشارقة .
فإذا كنت قد عرفت
رشيدة الشارنى اسما في البداية ككاتبة قصة إلا أنى عرفتها أكثر بعد قراءتي
لمجموعتها القصصية الأولى ولبعض مداخلتها
ومقالاتها المنشورة في الصحف العربية . عرفتها إنسان عارك الحياة وعاركته ، قصصها
في المجموعة حملت قسماتها الشخصية وموقفها تجاه أهم قضايا المرأة وهذا ما اكسب
إبداعها مصداقية ارتفعت بقيمة المجموعة بأكملها . لم يكن هذا اكتشافي أنا فقط ،
فمن متابعاتي وجدت أن كل من كتب عن رشيدة كان هذا إحساسه وكان هذا أيضا اكتشافه .
فرشيدة الشارنى صوت أنثوي قدم أوراق اعتماده
فقبلها الجميع .
وإن كانت انطباعاتي
السريعة لم تشمل قصص الأنطولوجيا أو أسماء مبدعيها ، فذلك لأني اكتفيت في مقالي
هذا بالاحتفاء بهذا العمل الكبير وأصدائه في نفسي ووجداني وذاكرتي . وسأعود إلى قصص الأنطولوجيا في مقال موسع آخر
لأن ما قرأته جدير بالاهتمام *
محمـد
الراوي
السويس
ـ مصـر